ابن تيميه
200
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
يستحبه بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة ؛ فإنه لا يوجبه ولا يستحبه ، وهذا معروف من كلامه وكلام أصحابه الذين شرحوا كلامه ، مثل تعليقة الشيخ أبي حامد وغيرها ، وقد نقل عن الليث كلام قد بسط الكلام عليه في مواضع أخرى . فهذا في نفس الجواب أن السفر إلى المساجد الثلاثة باتفاق العلماء ، كما دل عليه الحديث الصحيح الذي اتفقوا على صحته ، ولكن تنازعوا في وجوب ذلك بالنذر ، مع أن الذين قالوا لا يجب السفر إلى المسجدين قالوا : إنه يستحبّ بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة ؛ فلا يجب ولا يستحب عند أحد منهم ، بل صرّح بالتحريم من صرّح منه كمالك وغيره ، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد . قال الشافعي في مختصر المزني : « ولو قال للّه عليّ أن أمشي لم يكن عليه شيء حتى يكون برا ، فإن لم يكن برا فلا شيء عليه لأنه ليس في المشي إلى غير المواضع الثلاثة بر ، وذلك مثل المسجد الحرام ، قال : وأحب لو نذر إلى مسجد المدينة ، أو إلى بيت المقدس أو يمشي » « 1 » . قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني : إذا نذر مشيا فلا يخلو إما أن يعيّن الموضع الذي يمشي إليه أو لا يعين ؛ فإن لم يعيّن الموضع فإن هذا النذر لا ينعقد لأن المشي في نفسه ليس بقربة ، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى قربة ؛ كالحج والعمرة والجهاد ، وإن عيّن الموضع الذي يمشي إليه فلا يخلو إما أن يقول : للّه عليّ أن أمشي إلى بيت اللّه الحرام ، أو إلى مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، أو المسجد الأقصى ، أو إلى أحد المساجد ، قال الشافعي : كمسجد مصر أو إفريقية ، فإذا نذر المشي إلى بيت اللّه الحرام انعقد نذره . وإن نذر المشي إلى مسجد الرسول أو إلى المسجد الأقصى فالذي في « الأم » أنه لا يلزمه لأنه قال : وأحبّ لو نذر المشي إلى مسجد المدينة . وقال في البويطي : يلزمه المشي إليه وهو قول مالك . وعلل أبو حامد القولين وقال في توجيه منع اللزوم : فيحمل على أنه أراد لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا ، ويحتمل لا تشدّ مستحبا لكنه وجوبا أو استحبابا ، فتبين أنه لا يستحبّ السفر إلى غير المواضع الثلاثة ، قال : أما إذا نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد سوى الثلاثة مثل مسجد مصر وإفريقية ، فإن هذا لا يلزمه وإن نذر أن يصلي في مسجد منها معين لزمه الصلاة ولا يتعين الموضع ، وله أن يصلي في أي مسجد شاء ، لأن المشي في نفسه ليس بقربة . وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى ما هو قربة ، ومعلوم أنه ليس لغير هذه الثلاثة مزيّة بعضها على بعض في القربة ، فلم يتعيّن المشي إليه أو الصلاة فيه بالنذر . فإذا كان هذا في الفتيا فكيف يجوز أن يظنّ أن فيها النهي عن ما فعله الصحابة
--> ( 1 ) « هذا النص في مختصر المزني بهامش « الأم » ج 5 ص 238 » ( م ) .